كتاب جديد يناقش: عصر ثورة الاتصالات والهيمنة الثقافية

القاهرة- من: د. خالد محمد غازي

مؤلف كتاب «الاتصال والهيمنة الثقافية»، هو العالم الأمريكي هربرت شيلر، صاحب التيار النقدي للأوضاع الإعلامية والثقافية على المستوى الدولي، وله العديد من الإسهامات العلمية في هذا المجال مثل كتاب «المتلاعبون بالعقول»، وكتاب «الاتصال والإمبراطورية الأمريكية»، ويكشف في هذا الكتاب مخططات الدول الكبرى للهيمنة الثقافية على الدول النامية من خلال ما تملكه من وكالات أنباء عالمية، وأجهزة تكنولوجية، ووكالات إعلان، وشركات متعددة الجنسيات، كما يثير عدة قضايا مثل قضية التدفق الحر للمعلومات في أوقات السلم والحرب، والدور الذي تلعبه وكالات الأنباء العالمية والشركات المتعددة الجنسيات في بسط هذه الهيمنة، وقضية استغلال الولايات المتحدة للتكنولوجيا، وقضية العلاقة بين النظام السياسي والنظام الإعلامي. وقد قام بترجمة هذا الكتاب د.سمعان عبدالمسيح وراجعه د. مختار التهامي.
في بداية الكتاب يشير المؤلف إلى الدراسة الشاملة التي توصل إليها إيمانويل والرشتين التي خصصها لإيضاح موضوع «النظام العالمي الحديث»، بأن هذا النظام يتكون من ثلاثة عناصر أساسية تتمثل في: سوق واحدة يتم في داخلها تقدير الربحية القصوى، مجموعة من الدول تتباين في درجة قوتها، وأخيرا توزيع فائض العمل على نحو يحقق وجود ثلاث فئات بدلا من وجود فئتين في العملية الاستغلالية.
وبناء على ما سبق ذكره، فمن الضروري، أن يتطور قطاع الاتصالات الثقافية في النظام العالمي بما يتسق مع أهداف النظام العام، وغاياته وبما ييسر تحقيقها ويمثل تدفق المعلومات في اتجاه واحد إلى حد كبير، انطلاقا من المركز إلى المحيط موطن القوة فعلا، وكذلك الأمر فيما يتعلق بترويج انتشار لغة واحدة هي الإنجليزية، وتبذل الجهود من اجل إيجاد واكتشاف تكنولوجيا اتصالية سريعة وشاملة، يتم استخدامها عن تماثل وثيق مع بنية واحتياجات القوى المهنية في مركز النظام.

ويؤكد الكاتب أن هناك نظرية واحدة سيطرت مدة ربع قرن من الزمان على التفكير العالمي الخاص بالاتصالات والعلاقات الثقافية، تتمثل هذه النظرية في الفكرة القائلة إنه ينبغي ألا تحول أي حواجز دون تداول المعلومات بين الأمم، وتتوافق تقريبا نشأة مفهوم حرية تدفق المعلومات واتساع نطاقه مع الفترة الوجيزة أي المحمومة للهيمنة العالمية للولايات المتحدة، وهي حقبة يبزغ بريقها فعلا.
ويضيف الكاتب أن الجوانب الاقتصادية لسياسة التدفق الحر للمعلومات لم تكن سرا، ومع ذلك فإن وسائل الإعلام لم تتمهل في دراسة نوعية المصالح التي يحققها لها المبدأ الذي أذاعته الخارجية الأمريكية على نطاق واسع، كما أنها لم تشرح للجمهور متضمنات هذه السياسة، وبدلا من ذلك، فإن حملة سياسية مهمة نظمت من قبل رابطات الصحافة الضخمة وكبار الناشرين، بمساعدة المشروعات الصناعية بوجه عام، لرفع قضية التدفق الحر للمعلومات إلى أعلى مستوى من مستويات المبادئ الوطنية والدولية. وقد كان من الجلي أن المسلمات الأساسية للمشروع الحر ـ الحصول على رأس مال يتحكم في إمكانية نشر الرسائل ـ لا يمكن أن تتحملها المجتمعات التي ألغت أهم أشكال الملكية الخاصة، مثل مرافق وسائل الاتصال الجماهيري. ومن ثم فإن قضية التدفق الحر للمعلومات زودت موجهي السياحة الأمريكية بحجة ثقافية قوية من أجل بث الريبة في أي شكل بديل للتنظيم الاجتماعي.

ويقول المؤلف إن الولايات المتحدة نجحت في إقناع نصف الكرة الغربي بالمزايا التي ينطوي عليها «التداول الحر» وتحول الاهتمام إلى بقية بقاع العالم، وقد كانت بنى الحفاظ على السلام ترسى على النطاق العالمي، وأيقنت الولايات المتحدة أن الأمم التي أنشئت حديثا ومنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (اليونسكو) المرتبطة بها سوف تهتمان بقضية التداول الحر.
انقسام حاد
يرى المؤلف أن عالم اليوم ينقسم انقساما حادا بين المجتمعات الصناعية والثرية نسبيا والشعوب غير الصناعية والفقيرة، وان جاذبية التنمية ذات إغراء قوي يمكن فهمه وربما لا يمكن مقاومته، بالنسبة إلى البلدان الفقيرة وقادتها، ولا تحظى الظروف المصاحبة للتنمية ووفقا للنمط الغربي بتقدير كافٍ.

ومن المتناقضات أن يعمد الأدب الغربي في مناقشته لموضوع التنمية إلى قلب العلاقات رأسا على عقب ويخلط بين الأمور عند البدء بتحديد القوى الفاعلة، وهو ما يلحظ بوجه خاص بصدد التفاعل بين التنمية ووسائل الاتصال. وخلاصة القول إن التقييم الجدي للتكنولوجيا يعد مستحيلا بسبب الخلاف السائد بين المؤسسات الاجتماعية التي تدعم، وتسيطر في الوقت الراهن على البحوث والتنمية.
ويوضح الكاتب أن الصراع الطبقي من الناحية التاريخية يعتبر معركة اقتصادية، ويعد صراعا بين الجماعات المتنازعة، الطبقة العامة في مواجهة طبقة المالكين، وقد استهدف هذا الصراع الحصول على نصيب أكبر من الناتج الفوري «السنوي» في الأجل القريب، ثم السيطرة على النظام الإنتاجي وتوجهه في خاتمة المطاف. غير أنه برز الآن عنصر جديد في عملية المواجهة في الدول الرأسمالية الصناعية الكبرى في أوروبا الغربية، وفي أمريكا الشمالية، وفي اليابان، تمثل في استخدام الطبقة المسيطرة إلى أقصى حد لجهاز إعلامي بالغ التوسع ومتغلغل في كل مكان. ويضيف الكاتب قائلا: وعلى الرغم من الأنماط السائدة في التدفقات الدولية لوسائل الإعلام والعمليات التقنية والقوة الاقتصادية التي تدعمها فإن التكنولوجيا التي تظهر حاليا يمكن أن تخل، من ناحية إمكاناتها على الأقل، بهيكل السيطرة القائم في الوقت الراهن. وما يحتل مكان الصدارة في هذا المجال هو اكتساح التجديدات الاتصالية التي ظهرت في العقود القليلة الأخيرة مثل: التليفزيون، التوابع الصناعية، الكابل، الحاسبات الإلكترونية… الخ.
ولا ينشأ التجديد التكنولوجي من الفراغ، وإنما يشجعه النظام الاجتماعي السائد، فضلا عن ذلك فإنه يتكامل مع هذا النظام لكي يحقق عادة أهداف القوى المسيطرة التي تتحكم فعلا في الوضع الاجتماعي، ويلاحظ أن التجديدات كثيرا ما تثمر بعض الآثار غير المتوقعة التي لا يمكن أن تتماثل بل تتعارض مع تطلعات المسيطرين على النظام. وعلى الرغم من ذلك فمن المعقول أن نفترض أنه في الفترة الأولية للتجديد التكنولوجي سوف تستخدم القوى المسيطرة اجتماعيا على الأدوات الجديدة وتوجهها لصالحها، غير أنه من الطبيعي أن توجد جميع ضروب الشد والجذب ولا يمكن التكهن دوما بالنتائج.
أمر محدد

وتبقى كلمة أخيرة: من المغري دائما الاعتقاد أن الهدف المعلن هو أمر محدد حتى لو كان بعيد المنال، غير أن بلوغ الوعي النقدي لا يعد مقصدا نهائيا، وإنما هو عملية مستمرة سوف يكون سبر أغوارها دوما من الأمور المذهلة والمركبة لأنماط التفكير والعادات السائدة في كل موضع على امتداد الدرب التاريخي للتطور البشري، ويجب النظر إلى الجهود التي تبذل حاليا لوضع السياسة الاتصالية الثقافية وفهمها بهذه الطريقة. ومهما كانت الصياغة متقدمة أو بدائية فإنها ليست سوى علامات مرسومة على درب لا نهاية له يقود إلى تحقيق الطاقات البشرية الكامنة.
وفي خاتمة الكتاب يتطرق الكاتب إلى تجربة شيلي، قائلا: هناك قضية جديرة بأن تنال الانتباه من تجربة شيلي وتتمثل في الخلط الذي مازال ماثلا في كثير من الأذهان، والذي يربط بين الحرية الفردية والموهبة الإبداعية بالمعلومات التي يجرى تداولها عبر المجتمع الصناعي الغربي المتقدم. ومما له معناه أن أنصار الملكية الأقوياء يستخدمون حجة حرية المعلومات بوصفها دعامة أساسية لها جاذبيتها البالغة لديمقراطية السوق، وبغية معارضة أي شكل بديل للتنظيم الاجتماعي.

تاريخ النشر :٢٢ أكتوبر ٢٠١٢  / أخبار الخليج

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: